الإهداءات


العودة   منتديات أمراء الهمس > كنف سماوي > موطن الطهر الاسلامي


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



3 معجبون
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-05-28, 07:14 PM   #1


الملكة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2089
 تاريخ التسجيل :  Jul 2017
 العمر : 22
 أخر زيارة : 18-11-11 (09:14 PM)
 المشاركات : 4,012 [ + ]
 التقييم :  5655
 الدولهـ
Algeria
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Darkgreen
مزاجي:
افتراضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز




الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

أما بعد:



وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


فإن من أهم المهمات وأفضل القربات التناصح والتوجيه إلى الخير والتواصي بالحق والصبر عليه ، والتحذير مما يخالفه ويغضب الله عز وجل ، ويباعد من رحمته ، وأسأله عز وجل أن يصلح قلوبنا وأعمالنا وسائر المسلمين ، وأن يمنحنا الفقه في دينه ، والثبات عليه ، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ، وأن يصلح جميع ولاة أمور المسلمين ، ويوفقهم لكل خير ، ويصلح لهم البطانة ، ويعينهم على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد ، ويمنحهم الفقه في الدين ، ويشرح صدورهم لتحكيم شريعته ، والاستقامة عليها إنه ولي ذلك، والقادر عليه.




أيها المسلمون:


إن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضوع عظيم ، جدير بالعناية ؛ لأن في تحقيقه مصلحة الأمة ونجاتها ، وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير ، واختفاء الفضائل ، وظهور الرذائل.

وقد أوضح الله جل وعلا في كتابه العظيم منزلته في الإسلام ، وبيّن سبحانه أن منزلته عظيمة ، حتى إنه سبحانه في بعض الآيات قدمه على الإيمان ، الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام ، كما في قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران:110].

ولا نعلم السر في هذا التقديم ، إلا عظم شأن هذا الواجب ، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة ، ولا سيما في هذا العصر، فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة ؛ لظهور المعاصي ، وانتشار الشرك والبدع في غالب المعمورة.

وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه وفي عهد السلف الصالح يعظمون هذا الواجب ، ويقومون به خير قيام ، فالضرورة إليه بعد ذلك أشد وأعظم ، لكثرة الجهل وقلة العلم وغفلة الكثير من الناس عن هذا الواجب العظيم.

وفي عصرنا هذا صار الأمر أشد ، والخطر أعظم ، لانتشار الشرور والفساد ، وكثرة دعاة الباطل ، وقلة دعاة الخير في غالب البلاد كما تقدم.

ومن أجل هذا أمر الله سبحانه وتعالى به ، ورغب فيه ، وقدّمه في آية آل عمران على الإيمان ، وهي قوله سبحانه وتعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران:110].

يعني أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، فهي خير الأمم وأفضلها عند الله ، كما في الحديث الصحيح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ).


لماذا بعث الله الرسل؟



والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر موجود في الأمم السابقة ، بعث الله به الرسل ، وأنزل به الكتب.

وأصل المعروف توحيد الله، والإخلاص له.

وأصل المنكر الشرك بالله، وعبادة غيره.

وجميع الرسل بعثوا يدعون الناس إلى توحيد الله ، الذي هو أعظم المعروف ، وينهون الناس عن الشرك بالله ، الذي هو أعظم المنكر.

ولما فرط بنوا إسرائيل في ذلك وأضاعوه ، قال الله جل وعلا في حقهم: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } [المائدة:78].

ثم فسر هذا العصيان فقال سبحانه: { كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة:79].

فجعل هذا من أكبر عصيانهم واعتدائهم ، وجعله التفسير لهذه الآية { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } [المائدة:78-79].

وما ذلك إلا لعظم الخطر في ترك هذا الواجب.

وأثنى الله جل وعلا على أمة منهم في ذلك فقال سبحانه في سورة آل عمران: { مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } [آل عمران:113-115].

هذه طائفة من أهل الكتاب لم يصبها ما أصاب الذين ضيعوه، فأثنى الله عليهم سبحانه وتعالى في ذلك.
وفي آية أخرى من كتاب الله عز وجل في سورة التوبة قدم سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما ذلك إلا لعظم شأنه.






لأي معنى قدم الواجب؟


والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ، ومع ذلك قدمه في هذه الآية على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فقال سبحانه: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة:71].

فقدم هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة ، مع أن الصلاة عمود الإسلام ، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين ،

فلأي معنى قدم هذا الواجب؟

لا شك أنه قُدم لعظم الحاجة إليه وشدة الضرورة إلى القيام به.

ولأن بتحقيقه تصلح الأمة ، ويكثر فيها الخير وتظهر فيها الفضائل وتختفي منها الرذائل ، ويتعاون أفرادها على الخير، ويتناصحون ويجاهدون في سبيل الله ، ويأتون كل خير ويذرون كل شر.

وبإضاعته والغفلة عنه تكون الكوارث العظيمة ، والشرور الكثيرة ، وتفترق الأمة ، وتقسوا القلوب أو تموت ، وتظهر الرذائل وتنتشر، وتختفي الفضائل ويهضم الحق ، ويظهر صوت الباطل ، وهذا أمر واقع في كل مكان وكل دولة وكل بلد وكل قرية لا يؤمر فيها بالمعروف ولا ينهى فيها عن المنكر، فإنه تنتشر فيها الرذائل وتظهر فيها المنكرات ويسود فيها الفساد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.







أهل الرحمة:


وبين سبحانه أن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمقيمين للصلاة والمؤتين للزكاة والمطيعين لله ولرسوله هم أهل الرحمة ، فقال سبحانه وتعالى: { أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ } [التوبة:71].

فدل ذلك على أن الرحمة ، إنما تنال بطاعة الله واتباع شريعته ، ومن أخص ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولا تنال الرحمة بالأماني ولا بالأنساب؛ ككونه من قريش أو من بني هاشم أو من بني فلان.

ولا بالوظائف ، ككونه ملكا ، أو رئيس جمهورية ، أو وزيرا أو غير ذلك من الوظائف ، ولا تنال أيضاً بالأموال والتجارات ، ولا بوجود كثرة المصانع ، ولا بغير هذا من شئون الناس.

وإنما تنال الرحمة بطاعة الله ورسوله ، واتباع شريعته.

ومن أعظم ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وطاعة الله ورسوله في كل شيء ، فهؤلاء هم أهل الرحمة ، وهم الذين في الحقيقة يرجون رحمة الله ، وهم الذين في الحقيقة يخافون الله ويعظمونه ، فما أظلم من أضاع أمره وارتكب نهيه ، وإن زعم أنه يخافه ويرجوه.

وإنما الذي يعظم الله حقا ، ويخافه ويرجوه حقا ، من أقام أمره واتبع شريعته ، وجاهد في سبيله ، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.

قال سبحانه في سورة البقرة: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ال لَّهِ } [البقرة:218].

فجعلهم سبحانه راجين رحمة الله ، لما آمنوا وجاهدوا وهاجروا لإيمانهم وهجرتهم وجهادهم ، ما قال:

إن الذين بنو القصور.

أو الذين عظمت تجاراتهم.

أو تنوعت أعمالهم.

أو الذين ارتفعت أنسابهم هم الذين يرجون رحمة الله.

بل قال سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [البقرة:218].

فرجاء الرحمة وخوف العذاب ، يكونان بطاعة الله ورسوله ، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.





ولتكن منكم أمة:


وفي آية أخرى حصر سبحانه الفلاح في الدعاة إلى الخير، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فقال عز وجل: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران:104].

فأبان سبحانه أن هؤلاء الذين هذه صفاتهم وهي:

الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - هم المفلحون ، والمعنى أنهم هم المفلحون على الكمال والتمام ، وإن كان غيرهم من المؤمنين مفلحا ، إذا تخلى عن بعض هذه الصفات لعذر شرعي ، لكن المفلحون على الكمال والتمام هم هؤلاء الذين دعوا إلى الخير ، وأمروا بالمعروف وبادروا إليه ، ونهوا عن المنكر وابتعدوا عنه.

أما الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لأغراض أخرى: كرياء وسمعة ، أو حظ عاجل أو أسباب أخرى ، أو يتخلفون عن فعل المعروف ، ويرتكبون المنكر، فهؤلاء من أخبث الناس ، ومن أسوئهم عاقبة.

وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالالأمر بالمعروف والنهي المنكر سماحة يؤتي بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه - أي أمعاؤه - فيدور في النار كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون مالك يا فلان؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال فيقول لهم بلى ولكني كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه!! ).

هذه حال من خالف قوله فعله - نعوذ بالله - تسعر به النار، ويفضح على رؤوس الأشهاد ، يتفرج عليه أهل النار، ويتعجبون كيف يلقى في النار.
هذا ويدور في النار كما يدور الحمار بالرحى ، وتندلق أقتاب بطنه ، يسحبها ، لماذا؟!

لأنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه ، وينهى عن المنكر ويأتيه.

فعلم بذلك أن المقصود الأمر بالمعروف مع فعله ، والنهي عن المنكر مع تركه.

وهذا هو الواجب على كل مسلم، وهذا الواجب العظيم أوضح الله شأنه في كتابه الكريم، ورغب فيه، وحذر من تركه، ولعن من تركه.

فالواجب على أهل الإسلام أن يعظموه ، وأن يبادروا إليه ، وأن يلتزموا به طاعة لربهم عز وجل ، وامتثالاً لأمره ، وحذراً من عقابه سبحانه وتعالى.

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:


وقد جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤيد هذا الأمر ، وتبين ذلك أعظم بيان وتشرحه ، فيقول المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

فبين صلى الله علية وسلم مراتب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر الثلاث:


المرتبة الأولى:

الإنكار باليد مع القدرة ، وذلك بإراقة أواني الخمر، وكسر آلات اللهو، ومنع من أراد الشر بالناس وظلمهم من تنفيذ مراده إن استطاع ذلك كالسلطان ونحوه من أهل القدرة ، وكإلزام الناس بالصلاة ، وبحكم الله الواجب اتباعه ممن يقدر على ذلك، إلى غير هذا مما أوجب الله.

وهكذا المؤمن مع أهله وولده ، يلزمهم بأمر الله ويمنعهم مما حرم الله باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام.

وهكذا من له ولاية من أمر أو محتسب ، أو شيخ قبيلة أو غيرهم ممن له ولاية من جهة ولي الأمر، أو من جهة جماعته ، حيث ولوه عليهم ، عند فقد الولاية العامة يقوم بهذا الواجب حسب طاقته ، فإن عجز انتقل إلى:



المرتبة الثانية:

وهي اللسان ، يأمرهم باللسان وينهاهم كأن يقول: يا قوم اتقوا الله ، يا إخواني اتقوا الله ، صلوا وأدوا الزكاة ، اتركوا هذا المنكر، افعلوا كذا ، دعوا ما حرم الله ، بروا والديكم ، صلوا أرحامكم ، إلى غير هذا ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر باللسان ، ويعظهم ويذكرهم ، ويتحرى الأشياء التي يفعلونها ، حتى ينبههم عليها.

ويعاملهم بالأسلوب الحسن ، مع الرفق ، يقول عليه الصلاة والسلام: ( إن الله يحب الرفق في الأمر كله ) ، ويقول صلى الله عليه وسلم: { إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه } [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

وجاء جماعة من اليهود ، فدخلوا عليه صلى الله عليه وسلم فقالوا: ( السام عليك يا محمد ) ، يعنون الموت ، وليس مرادهم السلام.

فسمعتهم عائشة رضي الله عنها ، فقالت: ( عليكم السام واللعنة ) ، في لفظ آخر: ( ولعنكم الله ، وغضب عليكم ) ، فقال صلى الله عليه وسلم: ( مهلاً يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ) قالت: ( ألم تسمع ما قالوا؟ ) قال: ( ألم تسمعي ما قلت لهم؟ قلت لهم وعليكم فإنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا ).

هذا وهم يهود رفق بهم عليه الصلاة والسلام ، لعلهم يهتدون ، ولعلهم ينقادون للحق ، ولعلهم يستجيبون لداعي الإيمان.

فهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الموفق ، يتحرى الرفق والعبارات المناسبة ، والألفاظ الطيبة عندما يمر على من قصر في ذلك ، في المجلس أو في الطريق أو في أي مكان يدعوهم بالرفق والكلام الطيب ، حتى ولو جادلوه في شيء خفي عليهم ، أو كابروا فيه يجادلهم بالتي هي أحسن ، كما قال سبحانه: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل:125].
وقال سبحانه: { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [العنكبوت:46].

من هم أهل الكتاب؟ ... هم اليهود والنصارى ، وهم كفار، ومع ذلك يقول الله عنهم: { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } [العنكبوت:46].

والمعنى أن من ظلم منهم وتعدى وأساء الكلام فإنه ينتقل معه إلى علاج آخر غير الجدال بالتي هي أحسن ، كما قال تعالى: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } [الشورى:40].

وقال سبحانه: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة:194].

لكن ما دام المقام مقام تعليم ودعوة وإيضاح للحق ، فإنه يكون بالتي هي أحسن لأن هذا أقرب إلى الخير، قال سفيان الثوري رحمه الله: ( ينبغي للآمر والناهي أن يكون رفيقا فيما يأمر به ، رفيقاً فيما ينهى عنه ، عدلا فيما يأمر به ، عدلاً فيما ينهي عنه ، عالماً بما يأمر به ، عالماً بما ينهى عنه ).

وهذا معنى كلام السلف رحمهم الله ، تحري الرفق مع العلم والحلم والبصيرة ، لا يأمر ولا ينهى إلا عن علم ، لا عن جهل.

ويكون مع ذلك رفيقاً عاملاً بما يدعوه إليه تاركاً ما ينهى عنه ، حتى يقتدى به.

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )[خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

وهذا الحديث مثل حديث أبي سعيد السابق المتضمن الإنكار باليد ، ثم اللسان ثم القلب.

فالخلوف التي تخلف بعد الأنبياء هذا حكمهم في أممهم ، فيؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويعلمون أحكام الله ، ويجاهدون في ذلك باليد ثم اللسان ثم القلب.

وهكذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم يجب على علمائهم وأمرائهم وأعيانهم وفقهائهم أن يتعهدوهم بالدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل ، وإرشاد الضال ، وإقامة الحدود والتعزيرات الشرعية ، حتى يستقيم الناس ، ويلزموا الحق ، ويقيموا عليهم الحدود الشرعية ، ويمنعوهم من ارتكاب ما حرم الله حتى لا يتعدى بعضهم على بعض ، أو ينتهكوا محارم الله.

وقد ثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، الخليفة الراشد أنه قال: ( إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) ويروى عن عمر رضى الله عنه أيضاً.

وهذا صحيح ، كثير من الناس لو جئته بكل آية ، لم يمتثل ، لكن إذا جاءه وازع السلطان بالضرب والسجن ونحو ذلك أذعن ، وترك باطلة .. لماذا؟!

لأن قلبه مريض ، ولأنه ضعيف الإيمان أو معدوم الإيمان .. فلهذا لا يتأثر بالآيات والأحاديث .. لكن إذا خاف من السلطان ارتدع ووقف عند حده ، ووازع السلطان له شأن عظيم.

ولهذا شرع الله لعباده القصاص والحدود والتعزيرات لأنها تردع عن الباطل ، وأنواع الظلم ، ولأن الله يقيم بها الحق ، فوجب على ولاة الأمور أن يقيموها ، وأن يعينوا من يقيمها ، وأن يلاحظوا الناس ، ويلزموهم بالحق ، ويوقفوهم عند حدهم حتى لا يهلكوا ، وينقادوا مع تيار الباطل ، ويكونوا عوناً للشيطان وجنده علينا.



المرتبة الثالثة:

إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان انتهي إلى القلب ، يكره المنكر بقلبه ، ويبغضه ولا يكون جليساً لأهله.

وروي عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه أنه قال له بعض الناس:
( هلكت أن لم آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر .. فقال له رضي الله عنه: هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف وينكر المنكر ).



رد الدعاء وعدم النصر:


ومما يتعلق بموضوعنا: موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما ورد في الحديث أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( يقول الله عز وجل: مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم ).
وفي لفظ آخر من حديث حذيفة يقول عليه الصلاة والسلام: ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ) [رواه الإمام أحمد].

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المهمات العظيمة كما سبق ، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والترمذي يقول عليه الصلاة والسلام: ( لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم على لسان أنبيائهم داود وعيسى بن مريم ) { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } [البقرة:61].

وفي لفظ آخر: ( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تفعل من المعاصي ثم يلقاه في الغد فلا يمنعه ما رآه منه أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم ).

فعلينا أن نحذر من أن يصيبنا ما أصاب أولئك.

وقد جاء في بعض الأحاديث أن إهمال هذا الواجب وعدم العناية به - أعني واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من أسباب رد الدعاء وعدم النصر كما تقدم.

ولا شك أن هذه مصيبة عظيمة ، من عقوبات ترك هذا الواجب أن يخذل المسلمون وأن يتفرقوا وأن يسلط عليهم أعداؤهم ، وأن لا يستجاب دعاؤهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.




حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وقد يكون هذا الواجب فرض عين على بعض الناس ، إذا رأى المنكر، وليس عنده من يزيله غيره ، فإنه يجب عليه أن يزيله مع القدرة ، لما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) [خرجه مسلم في الصحيح].

أما إن كانوا جماعة فإنه يكون في حقهم فرض كفاية في البلد أو القرية أو القبيلة ، فمن أزاله منهم حصل به المقصود وفاز بالأجر .. وإن تركوه جميعا أثموا كسائر فروض الكفايات.

وإذا لم يكن في البلد أو القبيلة إلا عالم واحد وجب عليه عينا أن يعلم الناس ، ويدعوهم إلى الله ، ويأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر حسب طاقته ، لما تقدم من الأحاديث ، ولقوله سبحانه وتعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن:16].



الصبر والإحتساب:

ومن وفقه الله للصبر والاحتساب من العلماء والدعاة ، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، والإخلاص لله ، نجح ووفق وهدى ونفع الله به كما قال سبحانه وتعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } [الطلاق:2-3].

وقال تبارك وتعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [الطلاق:4].

وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [محمد:7].

وقال تعالى: { وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [العصر].

فالرابحون الناجون في الدنيا والآخرة هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من جملة التقوى ، ولكن الله سبحانه خصها بالذكر لمزيد من الإيضاح والترغيب.

والمقصود أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ودعا إلى الله وصبر على ذلك فهو من أهل هذه الصفات العظيمة ، الفائزين بالربح الكامل والسعادة الأبدية ، إذا مات على ذلك.

ومما يؤكد الالتزام بهذه الصفات العظيمة قوله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة:2].
التفقه في دين الله:

فلابد يا أخي أن تعرف المعروف بالتعلم والتفقه في الدين ، ولابد أن تعرف المنكر بذلك ، ثم تقوم بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالتبصر والتفقه في الدين من علامات السعادة ودلائل أن الله أراد بالعبد خيراً ، كما في الصحيحين عن معاوية رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ).

فإذا رأيت الرجل يتبع حلقات العلم ، ويسأل عن العلم ، ويتفقه ويتبصر فيه ، فذلك من علامات أن الله أراد به خيراً فليلزم ذلك ، وليجتهد ولا يمل ولا يضعف ، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ) [رواه الإمام مسلم في صحيحه].

فطلب العلم له شأن عظيم ، ومن الجهاد في سبيل الله ، ومن أسباب النجاة ومن الدلائل على الخير ، ويكون بحضور حلقات العلم ، ويكون بمراجعة الكتب المفيدة ، إذا كان ممن يفهمها ، ويكون بسماع الخطب والمواعظ ، ويكون بسؤال أهل العلم .. كل ذلك من الطرق المفيدة.

ويكون أيضاً بحفظ القرآن الكريم ، وهو الأصل في العلم ، فالقرآن رأس كل علم ، وهو الأساس العظيم ، وهو حبل الله المتين ، وهو أعظم كتاب وأشرف كتاب ، وهو أعظم قائد إلى الخير ، وأعظم ناه عن الشر.

فوصيتي لكل مؤمن ولكل مؤمنة العناية بالقرآن والإكثار من تلاوته والحرص على حفظه أو ما تيسر منه ، مع التدبر والتعقل ، ففيه الهدى والنور، كما قال سبحانه: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء:9].
وقال عز من قائل: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ص:29].
ويقول تبارك وتعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد:24].

فعلينا أن نعني بكتاب الله ، تلاوة وحفظا ، وتدبرا وتفقها ، وعملا وسؤالا عما أشكل.

وهكذا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، هي الوحي الثاني ، وهي الأصل الثاني ، وهي المفسرة لكتاب الله ، والدالة عليه.

فعلى طالب العلم ، وعلى كل مسلم أن يعني بذلك حسب طاقته ، وحسب علمه بالحفظ والمراجعة ، كحفظ الأربعين النووية وتكملتها لابن رجب خمسين حديثا ، وهي من أجمع الأحاديث وأنفعها ، وهي من جوامع الكلم ، فينبغي حفظها للرجل والمرأة.

ومثل ذلك "عمدة الحديث" للحافظ عبد الغني المقدسي ، كتاب عظيم جمع أربعمائة حديث وزيادة يسيرة من أصح الأحاديث في أبواب العلم .. فإذا تيسر حفظها فذلك من نعم الله العظيمة.

وهكذا "بلوغ المرام" للحافظ ابن حجر، كتاب عظيم مختصر، ومفيد محرر، فإذا تيسر لطالب العلم حفظه فذلك خير عظيم.

ومما يتعلق بكتب العقيدة: كتابان جليلان للشيخ الإمام محمد عبد الوهاب رحمه الله هما: "كتاب التوحيد"، وكتاب "كشف الشبهات".

ومن كتب العقيدة المهمة كتاب "العقيدة الواسطية" لشيخ الإسلام ابن تيمية فهو كتاب جليل مختصر عظيم الفائدة في مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة.

وكتاب "الإيمان" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب كتاب عظيم ، جمع فيه جملة من الأحاديث المتعلقة بالإيمان ، فينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن يحفظا ما تيسر من هذه الكتب المفيدة وأشباهها ، مع العناية بالقرآن الكريم والإكثار من تلاوته وحفظه ، أو ما تيسر منه كما تقدم ، ومع العناية بالمذاكرة مع الزملاء وسؤال المدرسين والعلماء الذين يعتقد فيهم الخير والعلم عما أشكل عليه ، ويسأل ربه التوفيق والإعانة ، ولا يضعف ولا يكسل ويحفظ وقته ويجعله أجزاء:

جزء من يومه وليلته لتلاوة القرآن الكريم وتدبره.

وجزء لطلب العلم والتفقه في الدين وحفظ المتون ومراجعة ما أشكل عليه.

وجزء لحاجته مع أهله.

وجزء لصلاته وعبادته، وأنواع الذكر والدعاء.

ومما يفيد طالب العلم وطالبة العلم فائدة عظيمة الاستماع لبرنامج نور على الدرب ، فهو برنامج مفيد لطالب العلم وعامة المسلمين وغيرهم ، لأن فيه أسئلة وأجوبة مهمة لجماعة من المشايخ المعروفين بالخير والعلم ، فينبغي العناية بهذا البرنامج ، واستماع ما فيه من فائدة ، وهو يذاع مرتين في كل ليلة ، بين المغرب والعشاء من نداء الإسلام ، والساعة التاسعة والنصف من إذاعة القرآن الكريم.



وأسأل الله بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع ، والعمل الصالح ، وأن يمنحنا الفقه في دينه ، والثبات عليه ، وأن يرزقنا جميعا القيام بهذا الواجب حسب الطاقة والإمكان ، وأن يوفق ولاة أمور المسلمين للقيام بهذا الواجب والصبر عليه ، وأن يوفق من أسند إليه هذا الواجب أن يقوم به على خير ما يرام وأن يعين الجميع على أداء حقه والنصح له ، ولعباده إنه تعالى جواد كريم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.







hgHlv fhgluv,t ,hgkid uk hglk;v slhpm hgadoL uf]hgu.d. fk uf]hggi fh.



 


رد مع اقتباس
قديم 18-05-28, 07:23 PM   #2


الملكة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2089
 تاريخ التسجيل :  Jul 2017
 العمر : 22
 أخر زيارة : 18-11-11 (09:14 PM)
 المشاركات : 4,012 [ + ]
 التقييم :  5655
 الدولهـ
Algeria
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Darkgreen
مزاجي:
افتراضي رد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هو سبب صلاح المجتمع كما أنه هو سفينة النجاة



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن من أهم الواجبات الإسلامية التي يترتب عليها صلاح المجتمع وسلامته ونجاته في الدنيا والآخرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك هو سفينة النجاة ، كما ثبت في صحيح البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا من نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً )[صحيح البخارى].

فتأمل أيها المسلم هذا المثل العظيم من سيد ولد آدم ورسول رب العالمين ، وأعلم الخلق بأحوال المجتمع وأسباب صلاحه وفساده ، تجده واضح الدلالة على عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنه سبيل النجاة وطريق صلاح المجتمع ، ويتضح من ذلك أيضاً أنه واجب على المسلمين وفرض عليهم القيام به ، لأنه هو الوسيلة إلى سلامتهم من أسباب الهلاك ، وقد أكثر الله سبحانه في كتابه الكريم من ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذكر أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي خير الأمم بسبب صفاتها الحميدة التي من أهمها قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما قال عز وجل: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران:110].

وتأمل أيها المسلم الذي يهمه دينه وصلاح مجتمعه كيف بدأ الله سبحانه في هذه الآية بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل الإيمان ، مع كون الإيمان شرطا لصحة جميع العبادات يتبين لك عظم شأن هذا الواجب ، وأنه سبحانه إنما قدم ذكره لما يترتب عليه من الصلاح العام.

وقال عز وجل: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[التوبة:71].


فانظر يا أخي كيف بدأ في هذه الآية بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل الصلاة والزكاة ، وما ذاك إلا لما تقدم بيانه من عظم شأنه وعموم منفعته وتأثيره في المجتمع ، وتدل الآية أيضاً على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أخلاق المؤمنين والمؤمنات وصفاتهم الواجبة التي لا يجوز لهم التخلي عنها أو التساهل بها ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقد ذم الله سبحانه من ترك هذا الواجب من كفار بني إسرائيل ولعنهم على ذلك فقال سبحانه في كتابه المبين من سورة المائدة: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }[المائدة:78و79].

وفي هذه الآية إرشاد من الله سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن سبب لعن كفار بني إسرائيل وذمهم هو عصيانهم واعتداؤهم ، وأن من ذلك عدم تناهيهم عن المنكر فيما بينهم لتحذر هذه الأمة سبيلهم الوخيم ، ويبتعدوا عن هذا الخلق الذميم ، ويتضح من ذلك أن هذه الأمة متى تخلقت بأخلاق كفار بني إسرائيل المذمومة استحقت ما استحقه أولئك من الذم واللعن ، لأنه لا صلة بين العباد وبين ربهم إلا صلة العبادة والطاعة ، فمن استقام على عبادة الله وحده وامتثال أوامره وترك نواهيه استحق من الله الكرامة فضلاً منه وإحساناً ، وفاز بالثناء الحسن والعاقبة الحميدة ، ومن حاد عن سبيل الحق استحق الذم واللعن ، وباء بالخيبة والخسران ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) [خرجه مسلم في الصحيح].

وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) [خرجه مسلم في الصحيح].

فاتق الله أيها المسلم في نفسك وجاهدها لله ، واستقم على أمره ، وجاهد من تحت يديك من الأهل والذرية وغيرهم ، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر حسب طاقتك في كل مكان وزمان عملا بهذه الأدلة الشرعية التي ذكرتها لك آنفاً ، وتخلق بأخلاق المؤمنين واحذر من أخلاق الكافرين والمجرمين ، واحرص جهدك على نجاتك ونجاة أهلك وإخوانك المسلمين ، كما قال عز وجل: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا }[طه:132].
وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }[التحريم:6].

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ( يا أيها الناس: إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم ، وتسألوني فلا أعطيكم ، وتستنصروني فلا أنصركم ) [أخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه وهذا لفظ ابن حبان].

والمعروف: هو كل ما أمر الله به ورسوله.
والمنكر: هو كل ما نهى الله عنه ورسوله.

فيدخل في المعروف جميع الطاعات القولية والفعلية ، ويدخل في المنكر جميع المعاصي القولية والفعلية.

ثم اعلم - يا أخي - أن كل مسلم راع على من تحت يده ومسئول عن رعيته كما ثبت في صحيح البخاري رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ، والعبد راع في مال سيده ومسئول عن رعيته ، ثم قال صلى الله عليه وسلم ألا فكلكم راع ومسئول عن رعيته ) [خرجه مسلم في الصحيح].



فاتق الله يا عبد الله وأعد جواباً لهذا السؤال قبل أن ينزل بك من أمر الله ما لا قبل لك به ، والله المسئول أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم ، وأن يوفقنا وسائر المسلمين للقيام بأمره والثبات على دينه ، والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر ، والتواصي بالحق والصبر عليه بصدق وإخلاص ، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر

مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ كان يلقى معارضة وضجرا من البعض.
إلا أن الغالب هم الذين يقبلون منه نصحه ويتحولون من المنكر إلى المعروف ومن الخطأ إلى الصواب.
ولو تأملت الألفاظ المستخدمة والطريقة المتبعة والسلوك المطروق في أمره ونهيه صلى الله عليه وسلم لعرفت سر القبول والتغير في حياة الناس والتخلي عن موروث وعادات وتقاليد تأصلت في نفوس الناس تخلوا عنها وقبلوا بالحق عن طيب نفس.
ولعل السر في ذلك هي الصفات العظيمة التي كان يتحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم في سلوكه مع الناس وهي التي يجب أن يلحظها ويتحلى بها الدعاة والعلماء في أمرهم ونهيهم ودعوتهم.
ومن أهم هذه الصفات كما هو مستفاد من السيرة النبوية بإجمال العلم بما يأمر وينهى وحسن الرأي والدراية والتلطف مع الناس والابتعاد عن التجريح أو التشهير أو الإحراج أو الخشونة إلى غيرها مما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى.





تفصيل هذه الصفات




أولاً : العلــــــــــم :

فلا بد في الآمر والناهي أو من يقول بعمل أو وظيفة الحسبة من أن يكون عالما بما يأمر وينهى حتى لا ينهى الناس عما أحل الله أو يحرف على الناس أمرا مباحا أو يسكت عن أمر محرم لذلك كانت أول شروط المحتسب العلم.

وليست لفظ العلم مقتصرة على العلم بما يأمر وينهى وإنما يشمل مفهوم العلم ، العلم بطرق الدعوة وأساليب مخاطبة الجمهور فليس أفهام الناس ومزجتهم على حد سواء لذا وضع الله لنا القاعدة الأساسية والتي يكون منها المنطلق فقال سبحانه وتعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }[النحل:125].

فمن الناس من تكون الحكمة والمنطق السوي كاف في إقناعه وردعه عما هو فيه ، ومن الناس من ينكسر قلبه ويؤنبه ضميره ويعترف بخطئه بالموعظة الحسنة ، ومن الناس من لا يصلحه ولا يقوم مزاجه إلا الجدال غير أن المؤمن يجادل بالتي هي أحسن لأنه غير مطالب بإقناعهم بقدر ما هو مطالب ببذل السبب وتبليغ الخير لهم ، ولما كان للعلم منزلة عظيمة ومكانة بالغة في حياة المحتسب والداعية رغب الله فيه لهم وحثهم عليه بل ألزمهم بطلبه وذلك مأخوذ من قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }[التوبة:122].
يقول ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية : كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر ديهم ويتفقهون فيب دينهم ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا أقدمنا عليهم .
قال : فيأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة الله وطاعة رسوله ويبعثهم إلى قوهم بالصلاة والزكاة وكانوا إذا أتوا قومهم .. يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة [تفسير بن كثير] .



ثانياً : العمل بما يعلم :

والشرط الثاني لمن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو من يقوم بوظيفة الحسبة أن يكون عاملا بما يعلم مطبقا لما يقول ، تصدق أفعاله أقواله.

وقد عاب الله على من اتصف بالضد أو النقيض فقال تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }[البقرة:44].
كما ذم سبحانه وتعالى مَن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وخالف فعله قوله فقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}[الصف:2و3] ، والسنة مليئة في ذم من يتصف بهذه الصفة.

فعن أسامة بن زيد قال سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان مالك : ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه ) [رواه الإمام أحمد].

ويا له من وصف عجيب لحال صاحب هذه الصفة الذميمة فدورانه في النار يدل على استمراره على فعل المعصية وإصراره عليها في الدنيا كالحمار الذي يدور وخروج أمعائه واندلاقها في النار دليل على أن الله سيظهر منه ما كان خافيا في الدنيا وما كان مستترا من قبائح الذنوب والأفعال ، واجتماع أهل النار عليه فيه الفضيحة له كما غش الناس في الدنيا ففضحه الله في الآخرة فلا يكتمل حسن أداء المحتسب إلا بتطبيق ما يقول وفعل ما يأمر به وقد قال أبو الدرداء : ويل لمن لا يعلم ـ قالها مرة ـ وويل لمن يعلم ولا يعمل ـ قلها سبع مرات [احياء علوم الدين].

وقال مالك بن دينار : إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلب كما يزل القطر عن الصفا [احياء علوم الدين].

يقول الإمام الغزالي رحمه الله : إن هداية الغير فرع للاهتداء ، وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة والإصلاح زكاة عن نصب الصلاح ، فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج [احياء علوم الدين].

وما أجمل ما قال أبو الأسود الدؤلي رحمه الله المتوفى سنة 65 هـ في العيب والتوبيخ على من يأمر وينهى وينسى نفيه كالطبيب المعالج من الأسقام وهو سقيم :

يا أيهـــــــــا الرجل المعلــــم غيـــــره هلا لنفسك كان ذا التعليــــم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيــــم

وتراك تصـلـــــــــح بالرشـاد عقولنـــا أبدا وأنت من الرشاد عديــــم

أبدأ بنفســـك فانهـهــــا عـن غيــهـا فإذا انتهت عنه فأنت حكيــــم

فهناك يُسمـــع ما تقول ويــــهتـــدى بالقول منك فينفع التعليـــــم

لا تنـــه عن خــلق وتـأتــي مثلـــــه عار عليك إذا فعلت عظيــــم





ثالثا : الإخـــــــــلاص :


فلا بد للآمر والناهي والموجه والمربي وكل من يرجو قبول عمله الإخلاص مع الله فيما يقول ويفعل لأن الله لا يتقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم قال تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [المائدة:27].

أي إنما يقبل الله من المخلصين في أعمالهم.

وفي كتاب هداية المرشدين لشيخ علي محفوظ رحمه الله : فينبغي للداعي أن يتحلى بالآداب الشرعية ، والإخلاص في الدعوة إلى الله تعالى حتى يكون وارثا نبويا ، وعالما ربانيا ، وأن يعلم أنه لا يجتمع الإخلاص في القلب ، ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار ، والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة ، فإذا تم لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.

فعلى المحتسب أن يربي نفسه على الإخلاص في أفعاله وأقواله قاصدا منها وجه الله وليس مدحا ولا ثناء ولا جاها ولا منصبا لعل قراءتك لهذا الحديث تكون رادعا لك من أن يساورك شيء مما يخدش إخلاصك من العجب والرياء.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمة الله فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت قال : كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال فلان جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها قال : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال : كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ . فقد قيل . ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال ، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها . قال فما عملت فيها قال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك . قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل . ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

فلأن عقاب وعذاب العالم والموجه والمحتسب والمعلم أكبر من غيره إذا فقد الإخلاص صار الإخلاص شرطا لا بد منه لمن تصدى لهذه الأعمال الجليلة ولا تنفع كثرة الأعمال إن لم تكن خالصة لوجه الله عز وجل من أمر ونهي وتوجيه وإرشاد .

فما لم يكن المقصود منه وجه الله ثم إصلاح البشر فإن ربي عز وجل يجعلها يوم القيامة هباء منثورا والله يقول : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }[الكهف:110].

يقول سليمان الداراني : طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى.

وكتب عمر بالخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس.

وقال أيوب السختياني : تخليص النيات على العباد أشد عليهم من جميع الأعمال.

غير أن هناك قضية مهمة لا بد من إيضاحها إلا وهي ليس شرطا من إخلاصك أن تجد القبول من الناس ، أي بمعنى عدم قبول الناس لقولك ليس طعنا في إخلاصك.

فليس أحد أشد إخلاصا من أنبيء الله دعواتهم مع أقوامهم ومع ذلك فيقدم النبي يوم القيامة ومعه الواحد والنبي ومعه الثلاثة والنبي ومعه الجماعة والنبي وليس معه أحد ولزيادة الإيضاح نذكر ما ذكره الله عن أصحاب القرية في سورة يس إذ أرسل الله لهم اثنين فكذبوهما فعزززززززززززز الله دعوتهم برسول ثالث فكذبوهم وثلاثة رسل مخلصين وما آمن إلا رجل واحد قال تعالى : { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ } [يس:13و14].

ثم بين تعالى أنه ما من إلا واحد : {إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } [يس:25و26و27].

فليعلم الآمر بالمعروف أن إخلاصه شرطا في قبول الله لعمله وعدم قبول الناس لإرشاده وتوجيهه ليس طعنا في إخلاصه فالناس يقبلون ممن يقتنعون في كلامه مخلصا كان أم مشركا خيّرا كان أم فاسقا.

لذا على المحتسب أن يجعل هذه القضية نصب عينه ولا يغرنه كثرة الهالكين وقلة السالكين ولا يجعل للشيطان سبيلا عليه في أن يشككه في نيته وإخلاصه لعدم استجابة الناس له فما عليك إلا بذل السبب بالطريقة المشروعة مصحوبا بالإخلاص وعلى الله الهداية.



رابعاً : الأمانــــــــــــــــــــة :

أي أن يكون الآمر بالمعروف صاحب أمانة وذمة وضمير حي في تبليغ وأداء ما أمر الله به قال تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا } [الأحزاب:72].

فالله قد حمّل بني آدم الأمانة وبالأخص الدعاة إلى الله حمّلهم أمانة تبليغ هذا الدين فهم أمناء الله في هذه الأرض يبلغون ما أمر الله ما نهى الله عنه على أكمل وجه دون نقص ولا زيادة ، ومن الأمانة المنوطة بالمحتسب والداعية أن يبلغ ما كلف به من الله من أمر ونهي في كل الأحوال لا أن يأمر إذا اشتهى ويسكت إذا لم يشته ، فمن واجب المحتسب أن يكون أمينا على ما اتمن عليه لا أن يأمر بالمعروف إذا دفعه هواه ولا ينهى عن المنكر إذا عارضه هواه ومزاجه .

ولا شك أن تضييع الأمانة من علامات الساعة إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أول ما يرفع من الناس الأمانة ، و آخر ما يبقى من دينهم الصلاة ، و رب مصل لا خلاق له عند الله تعالى ) [الألبانى: حسن].

ويقول ابن مسعود رضي الله عنه : ( كيف بكم إذا لبستكم فتنة ، يربو فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير ، وتتخذ سنة ، فإن غيرت يوما قيل : هذا منكر ! قيل : ومتى ذلك ؟ قال ، إذا قلت أمناؤكم ، وكثرت أمراؤكم ، وقلت فقهاؤكم ، وكثرت قراؤكم ، وتفقه لغير الدين ، والتمست الدنيا بعمل الآخرة ) [الألبانى: صحيح لغيره].

فليس أجمل بالمحتسب من أن يؤدي الأمانة التي وكلّت له على أكمل وجه حتى تبرأ ذمته ولا يلحقه سخط الله وغضبه في قوله تعالى فيمن زاد ونقص وضيع الأمانة : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } [النحل:116].

وكيف لا تكون هذه الصفة واجبة في حق المحتسب وهو الذي يأمر الناس بالعدل والقسط والمعروف وأداء الأمانات . وينهاهم عن الغش والكذب والخداع ونقص الموازين وتضييع الحقوق ، فكل منكر قد نهى الله عنه فالمحتسب أولى الناس باجتنابه وكل معروف وخير أمر الله به فالمحتسب أولى الناس بالتحلي به والأخذ به.





خامساً : الصبــــــــــــــــــر :

فلابد للآمر بالمعروف والداعي من الصبر إذ به يتحمل أذى الناس فلا ولن يكون كلامك وأمرك ونهيك مقبولا لدى الجميع ولن يكون ماءً عذبا على قلوب الجميع بل سيرضى به البعض والبعض الآخر لربما خالفك ولكن كتم في نفسه والبعض لربما آذاك بكلامه أو أفعاله لذا اقتضى الحال أن يتحلى المحتسب بالصبر على ما يلقى من الأذى والبلى من الناس.

والله يقص لنا عن وصية لقمان لابنه يوصيه بذلك : { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان:17].

وقال تعالى : { وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر].

والله سبحانه وتعالى يواسي رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر حال من سبقه من الرسل وما أصابهم ولكنهم صبروا على تكذيب الناس لهم وإيذائهم وتعذيبهم قال تعالى : { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِي } [الأنعام:34].

فليس للمحتسب أن يسخط ولا أن يتضجر من سباب أو شتم أو غير ذلك وليكن مثله الأعلى في ذلك رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أصابه ما أصابه في سبيل الله ولم يجزع ولم يضجر ولعل حادثة واحدة مما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم كافية في أن تكون عبرة للمحتسب يتذكرها كلما فقد أعصابه وتوازنه.

روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه: يا رسول الله ! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال ( لقد لقيت من قومك . وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة . إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال . فلم يجبني إلى ما أردت . فانطلقت وأنا مهموم على وجهي . فلم أستفق إلا بقرن الثعالب . فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني . فنظرت فإذا فيها جبريل . فناداني . فقال : إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك . وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم . قال : فناداني ملك الجبال وسلم علي . ثم قال : يا محمد ! إن الله قد سمع قول قومك لك . وأنا ملك الجبال . وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك . فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ) . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئا.

يا له خلق عال كريم عظيم سمى عن أن يقبل الإساءة بالإساءة وهذا الذي ينبغي بل يجب أن يتحلى به كل محتسب وكل داع يرجو أن يكون لدعوته صدا وتأثيرا بين الناس ولقوله سامع ولأمره مطيع ولنهيه مجتنب.

سادساً : الرفق واللين والرحمة بالناس :



فمن الواجب على الآمر بالمعروف أن يكون قلبه مليئا بالرحمة والعطف على الناس لأنه يقصد من أمره ونهية لهم توجيههم وتعديل المعوج من شكلهم وسلوكهم لذا وجب عليه أن يكون رحيما بهم عطوفا عليهم يداً حانية على المخطئ منهم حتى يكون لهم كالأب لأبنائه وكالأخ لإخوانه وكالصاحب الصادق لأصحابه ، والتأسي كل التأسي هو بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في حقه : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي } [آل عمران:159].

ويصف الله لنا نبيه بوصف آخر فيقول : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة:128].

ويقول تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [النحل:125].

ويقول تعالى : { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا } [الإسراء:53].









ولا أوضح صورة للأمر باللين في القرآن من أمر الله لموسى بأن يخاطب فرعون باللين عسى أن يكون اللين سببا ومدعاة لهدايته قال تعالى : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [طه:43و44].

كل هذا اللين لفرعون مع ما عرف عنه من تجبر وقتل وسفك الدماء وادعاء الألوهية بقوله : { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى } [النازعات:24] ، وقوله : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ } [القصص:38].

فيا له من توجيه رباني عظيم يحتاج له كل من تصدى للدعوة والتوجيه والإرشاد.

وقد ورد مثل هذا المعنى في معرض رد المأمون على رجل وعظه معنفا وأغلظ في الوعظ والنصيحة فقال له المأمون يا رجل أرفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق قال تعالى : { فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا } ، فليلاحظ المحتسب ذلك [احياء علوم الدين].

هذا وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمر أمته بالرفق واللين والرحمة وسعة الصدر فقال صلى الله عليه وسلم : ( الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

وفي رواية : ( ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه ، ولا كان الخرق في شيء قط إلا شانه وإن الله رفيق يحب الرفق ) [الألبانى: حسن صحيح].

ولا شك أن الرفق واللين خلقان كريمان يحبهما الله ويعطي عليهما ما لا يعطي على غيرهما إذ قال صلى الله عليه وسلم لعائشة : ( يا عائشة ! إن الله رفيق يحب الرفق . ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف . وما لا يعطي على ما سواه ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].



سابعاً : التيسير والتبشير وفتح باب الأمر للمذنبين والمقصرين :



ومن صفات الآمر بالمعروف الحكمة في تعامله مع الناس ودعوته لهم في استعماله الترغيب تارة والترهيب أخرى.

فليس من الحكمة في شيء أن يغلق المحتسب أبواب الرحمة والتوبة في وجوه المقصرين لما اقترفوه من ذنوب عظيمة كما أنه ليس من الحكمة أن يجعلهم يتكلوا على عظيم عفو الله ورحمته فعلى المحتسب أن يراعي ذلك جيدا وأن يدعو المذنبين إلى الإقبال على الله والتوبة مما اقترفته أيديهم والله يتوب عليهم ، كيف لا والله يقول في كتابه : { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا } [النساء:27و28].

ويقول تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر:53].

وقال تعالى : { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِي } [الأنفال:38].

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم ، سقط على بعيره ، وقد أضله في أرض فلاة ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

فعلى الدعاة اللين والرفق وفتح أبواب الخير والتوبة والمغفرة وترغيب الناس بها والله غز وجل غفور رحيم .




ثامناً : النظر إلى المصالح والمفاسد والعلم بها :


فلا بد أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالما عارفا بالمصالح الحاصلة من أمره ونهيه والمفاسد الناتجة عن ذلك.

ـ فإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة وجب الأمر والنهي عليه.

ـ وإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة لم يجب عليه بل قد يحرم.

ـ وإذا حصل التساوي والتكافؤ بين المعروف والمنكر لم يؤمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر لأن درء المفاسد أولى من جلب المنافع .

ـ وإن اختلط المعروف بالمنكر عند ذلك يدعي إلى المعروف دعوة مطلقة وينهى عن المنكر نهي مطلق.

كل ذلك حتى لا يخطئ المحتسب في التقدير وتكون الأضرار أعظم من المنافع فيفسد بفعله أكثر مما يصلح ، وفي الحقيقة هذا الشرط داخل في الشرط الأول الذي ذكرناه وهو العلم بما يأمر به وينهى عن ولكن أفردناه ليعلم أن معرفة المصالح والمفاسد ومراعاتها عند الأمر والنهي مهمة جدا لما يترتب عليها من منافع أو أضرار.




تاسعاً : الاستطاعـــــــــــــــة :

ولا بد في الآمر بالمعروف حين الأمر والنهي أن يأمر وينهى قدر ما يستطيع ولا يحمل الناس ما لا يستطيعون إذ أن الله قد كلف العباد على حسب طاقتهم وتحملهم ولا يكون التكليف فوق ذلك : { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } [البقرة:286]،
وقال تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [التغابن:16].

فليس من الواجب إيصال الأمر والنهي إلى كل فرد أو إلى كل مكان بل هو على قدر المستطاع ، كما أنه ليس من الواجب تغيير جميع المنكرات بأسلوب واحد ، بل كل محتسب وكل امرئ يغير بقدر ما يستطيع وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بقوله : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده . فإن لم يستطع فبلسانه . فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].


شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


إنالحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.




{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء:1].
{ ياَ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [الحشر:18].

ثم أما بعد:




فإن الأمة الإسلامية إنما نالت الخيرية كونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر مع إيمانها بالله عزوجل
قال تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَأُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِوَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } [آل عمران:110].

وعلق سبحانه الفلاح للمؤمنين إذا كانوا قائمين بهذه المهمة العظيمة
فقال: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران:104].

وهذا يدل على أنه لا تفلح الأمة ولا تنجح إذا ضيعت هذا الواجب ، وبين سبحانه أنه من صفات المؤمنين والمؤمنات الرئيسية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فقال: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة:71].

ويفهم من هذا أن الإيمان الواجب لا يحصل إلا لمن هذه صفته ، ويفهم منه أيضاً أن الرحمة لا تحصل إلا لمن قام بهذه الأمور جميعاً ، وتدل الآية الكريمة على أن واجب الحسبة والدعوة ليس خاصاً بل هو عام للرجال والنساء كل حسب قدرته وعلمه.

وأخبر سبحانه أن من أسباب لعن بني إسرائيل خاصة تركهم هذه الفريضة تحذيراً من الاتصاف بصفتهم أو أن نفعل مثل فعلهم فنستحق مثل جزائهم فقال سبحانه وتعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون * تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ } [المائدة:78-80].

وموضوع « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أولى وأوجب ماينبغي أن يتحدث عنه الدعاة والوعاظ والخطباء ، فهو واجب من الواجبات التي شرعها الله تبارك وتعالى ، بل هو واجب يترتب على تحقيقه واجبات كثيرة ، بل كل الواجبات إذا تأملنا نجد أنها لاتتحقق ، وكل المنهيات لايُنتهى عنها إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » [قواعد وضوابط فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر للحوالى].

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يقول الإمام الغزالي « هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ، ولو طُوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة ، واضمحلّت الديانة ، وعمت الفترة وفشت الضلالة ، وشاعت الجهالة ، واستشرى الفساد ، واتسع الخرق ، وخربت البلاد ، وهلك العباد ، ولم يشعروا بالهلاك إلاّ يوم التناد ، وقد ظهر ذلك في كثير من البلاد ، ومن أهم أسباب ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستهانة به ، وممّا شجع الناس على تركه ما يُثَار من شبهات حول شرعيته ، ووجوبه ، وجدواه ، وما يُلقن الناس من أعذار فاسدة للتهاون في شأنه » [احياء علوم الدين].


ولذلك حاولت جمع هذه الشبهات من هنا وهناك كما حاولت جمع ما تيسر لي من أجوبة مختلفة مع الاستفادة من أبحاث سبقت أو شبهات تم الرد عليها والغرض من ذلك معالجة هذه الشبهات من كل الأوجه المتاحة.




تعريف العنوان:


المقصود بالشبهة

الشبهة: الالتباس

وأمور مشتبهة ومشبهة: مشكلة يشبه بعضها بعضا

وشبه عليه: خلط عليه الأمرحتى اشتبه بغيره[لسان العرب]،
و(اشتبه) الأمرعليه اختلط وفي المسألة شكفي صحتها[المعجم الوسيط].

المقصود بالمعروف: « (العرف) المعروف وهو خلاف النكر ، وماتعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم » [المعجم الوسيط].

شرعاً: هو اسم جامع لكل ماعرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس والمنكر ضد ذلك جميعه [النهاية فى غريب الأثر].

ومن تعاريف المعروف: هو ماعرف الناس بأنه محبوب للشارع مفروضا كان أومسنونا أومستحبا. والمنكر: هو ما ينكره الشارع محرما كان أومكروها [الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم].





خطة البحث:


جمع عدد من الشبهات المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرد عليها

ومن هذه الشبهات ما يلي:

أولاً: وجوب ترك الاحتساب لتعارضه مع الحرية الشخصية.

ثانياً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث لا يضرنا ضلال الضالين.

ثالثاً: ترك الحسبة بسبب وقوعنا في الذنوب والتقصير والنقص.

رابعاً: ترك الاحتساب لاعتقاد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اختصاص العلماء فقط.

خامساً: ترك الاحتساب خشية الوقوع في الفتنة.

سادساً: ترك الاحتساب بسبب عدم استجابة الناس.

سابعاً: ترك الاحتساب لوجود الخلاف في المسألة ولمقولة: لا إنكار في مسائل الخلاف.

ثامناً: ترك الاحتساب لا لشبهة ولكن إرضاءاً لفئة.



الشبهة الأولى : وجوب ترك الاحتساب لتعارضه مع الحرية الشخصية :


يقول بعض الناس: «يجب علينا أن نترك الناس وشأنهم ولا نتدخل في شؤونهم الخاصة بأمرهم بالمعروف الذي لا يرغبون في فعله ، ونهيهم عن المنكر الذي يرغبون فيه ، لأن هذا يتعارض مع الحرية الشخصية الثابتة في الإسلام ».

ويستدلّ هؤلاء على صحة رأيهم بقوله عز وجل: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة:256].




كشف النقاب عن حقيقة هذه الشبهة


سنبيّن بعون الله تعالى حقيقة هذه الشبهة ضمن العناوين التالية:




أولاً : عدم وجود (الحرية الشخصية) المزعومة :


هل يوجد تعريف للحرية الشخصية مجمع عليه لا يوجد فالحرية الشخصية شيء نسبي ،فهو يختلف باختلاف الأمم والديانات.

ولنا أن نسأل أصحاب هذا القول: أين تلك (الحرية الشخصية) المزعومة ؟
أفي مشارق الأرض أم في مغاربها ؟
هل وجدتموها في أنظمة شرقية أم في أنظمة غربية؟
كلا ، لا عند هؤلاء ، ولا عند أولئك ، يُطالب المرء بالخضوع والامتثال لقواعد وأنظمة على رغم أنفه حيثما حل وارتحل.

هل يُسمح لأحد في الشرق أو الغرب أن يعبر التقاطع والإشارة حمراء ؟
هل يُعطى في الغرب لأحد حق بناء بيت بماله الذي اكتسبه بكد جبينه على الأرض التي اشتراها بخالص ماله كيفما شاء من غير مراعاة الضوابط التي وضعتها أمانة تلك المدينة التي هو فيها ؟ لا يمكن هذا.




ثانياً : المفهوم الإسلامي للحرية الشخصية :


الحرية الشخصية التي منحها الإسلام للعباد هي: أنه أخرج العباد من عبودية العباد ، إلى عبودية رب العباد ، وما أحسن ما عبر القرآن الكريم عن هذا بقوله تعالى: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَايَعْلَمُونَ } [الزمر:29].

فالمطلوب في الإسلام أن يتحرر العبد من كل من عبادة سوى الله ويصير عبداً منقاداً مطيعاً مستسلماً لله الواحد الخالق المالك المدبر، وهذا ما عبّر عنه ربعي بن عامر - رضي الله عنه - مجيباً على سؤال رستم بقوله: « الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله » [البداية والنهاية].

ومن النصوص التي تدلّ على أن المؤمنين مطالبون بالاستسلام لله تعالى والعمل بجميع أوامره وترك جميع نواهيه قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً } [البقرة:208].

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: « يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه ، والعمل بجميع أوامره ، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك ».

وبيّن المولى عز وجل أنه لا يبقى لمؤمن ولا مؤمنه أدنى خيار بعد مجيء أمر الله تعالى وأمر رسوله ، قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً } [الأحزاب:36].

وصوّر لنا السميع البصير مبادرة المؤمنين إلى امتثال أوامره وأوامر رسوله حيث يقول عز من قائل: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [النور:51].
فأين أصحاب (الحرية الشخصية) المزعومة من أولئك؟.

ثالثاً : الخطأ في فهم الآية :
{ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة: 256].


ليس معنى الآية بأن للناس كلهم فعل ما يشاءون وترك ما يشاءون ، وليس لأحد إلزامهم على فعل الخير الذي تركوه أو اجتناب الشر الذي فعلوه ، بل المراد بالآية – والله أعلم بالصواب – كما يقول الحافظ ابن كثير: « أي لاتكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام ».

وحتى هذا ليس لغير المسلمين كلّهم بل رجّح كثير من المفسرين بأن هذا الحكم خاص بأهل الكتاب ومن شابههم ، وأما عبدة الأوثان من مشركي العرب ومن شابههم فلا يُقبَل منهم إلاّ الإسلام أو القتال ، وفي هذا يقول الإمام ابن جرير الطبري بعد نقله أقوال اًمختلفة في تفسير الآية: « وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس ، وقال: عني بقوله تعالى ذكره: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } أهل الكتاب والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق ، وأخذ الجزية منه ».

ثم يقول مبيّناً سبب ترجيح هذا القول: « وكان المسلمون جميعاً قد نقلوا عن نبيّهم: أنه أكره على الإسلام قوماً فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام ، وحكم بقتلهم أن امتنعوا منه ، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب ، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم ، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه ، وإقراره على دينه الباطل ، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم».

قد آن لنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: أيهود أنتم أم نصارى ، فيُكتُفى بقبول الجزية منكم ، فلا يأمركم أحد بمعروف تتركونه ولاينهاكم عن منكر تفعلونه ؟.




رابعاً : ثبوت وجوب الحسبة بنصوص الكتاب والسنة :


إن هؤلاء أخذوا آية واحدة وحاولوا تأويلها وفق أهوائهم وتجاهلوا تلك النصوص الكثيرة الصريحة الواضحة التي لا تترك مجالاً للشك والتردد في فرضيّة الحسبة ، أين هؤلاء من تلك النصوص التي وردت فيها صيغ الأمر للقيام بالاحتساب ، وصيغ النهي للمنع عن تركه؟ وذلك مثل قوله تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْن َعَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آلعمران:104].
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم ) [الألبانى: حسن].

وكيف يؤول هؤلاء النصوص التي قُرِن الإيمان فيها بالاحتساب ، فحُكِم فيها بقوة الإيمان وضعفه مع قوة الاحتساب وضعفه ؟ وذلك مثل قوله: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده . فإن لم يستطع فبلسانه . فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

وبماذا يفسر هؤلاء تلك النصوص التي تجعل (التواصي بالحق) من شروط نيل الفوز والفلاح ؟ وذلك مثل قوله تعالى: { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [سورة العصر].

وكيف يتجرأ هؤلاء على تحريف النصوص التي وعد الله تعالى ورسوله فيهما بالعذاب على ترك الاحتساب ؟ وذلك مثل قوله تعالى: { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال:25].

ألا يستحي هؤلاء من تكذيب ما أخبر به من هو أكبر شيء شهادة وأصدق قيلا عن نزول اللعنة على ترك الاحتساب ؟ وذلك في قوله عز من قائل: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78].

أليس في هذا وذلك ما يمنع هؤلاء من القول: إن الاحتساب يتعارض مع الحرية الشخصية الثابتة في الإسلام ؟ فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً ؟




خامساً : قيام الرسول الكريم بالاحتساب :


لنا أن نسأل أصحاب هذا القول: على من أنزلت الآية: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة: 256].
أعليكم أنزلت أم على سيّد الأولين والآخرين إمام الأنبياء وقائد المرسلين ؟
أأنتم أعلم بمرادها أم هو الذي أسند إليه أمر بيان المنزل ؟
يقول تعالى: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }[النحل:44].

وهل أمر عليه الصلاة والسلام الناس بالمعروف ونهاهم عن المنكر أم تركهم وشأنهم مراعياً مبدأ الحرية الشخصية المخترعة ؟ لقد قام بالاحتساب في البيت والشارع ، وفي المسجد والسوق ، وفي الحضر والسفر ، وفي الحرب والسلم ، ويغنينا في هذا المقام عن ذكر أمثلة احتسابه وصف أصدق القائلين اللطيف الخبير له بقوله:{ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ } [الأعراف:157].

ونستفسرأصحاب هذه الشبهة أيضاً: أُمِرنا باقتداء من ؟ أأُمِرنا باقتداء من اتخذ إلهه هواه أم أُمِرنا بالتأسي بمن كان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ، تعالوا فلنقرأ جميعاً قول الباري سبحانه وتعالى:{ لَقَدْكَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَوَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب:21].




سادساً : تشريع الحدود والتعزيرات ينقض هذه الشبهة :


ماذا سيكون موقف هؤلاء من الحدود والتعزيرات التي شُرِعت لمعاقبة مرتكبي بعض الجرائم ؟
أيردون تلك النصوص الثابتة الصريحة التي جاء فيها بيانها ؟

ومن تلك النصوص - على سبيل المثال – ما جاء فيها من عقوبة الزاني: ( البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب ، جلد مائة والرجم ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

وما جاء فيها عمن تزوج امرأة أبيه عن عدي بن ثابت عن البراء قال لقيت خالي ومعه الراية فقلت أين تريد قال: ( أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله ) [الألبانى: صحيح].

وما بينه الناطق بالوحي الأمين الصادق المصدوق عن حكم من ارتد عن الإسلام بقوله: ( من بدّل دينه فاقتلوه ) [الألبانى: صحيح].

ولو كان لمبدأ الحرية الشخصية المختلفة أساس في الإسلام كما يدعي أولئك ما كان مرتكبوا هذه الجرائم ليُجْلَدُوا ويُغَرَّبوا أو يُجْلَدُوا ويُرْجمُوا ، أو يُقتَلوا.

وكان لهم أن يحتجوا ، هذا ما يخصنا نحن ، وليس لأحد حق التدخل في شؤوننا الخاصة.


بهذا يتضح بعون الله تعالى بطلان رأي من قال بترك الاحتساب بحجة منافاته للحرية الشخصية.












 


رد مع اقتباس
قديم 18-05-28, 07:30 PM   #3


الملكة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2089
 تاريخ التسجيل :  Jul 2017
 العمر : 22
 أخر زيارة : 18-11-11 (09:14 PM)
 المشاركات : 4,012 [ + ]
 التقييم :  5655
 الدولهـ
Algeria
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Darkgreen
مزاجي:
افتراضي رد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



الشبهة الثانية : ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث لا يضرنا ضلال الضالين :


يقول بعض الناس: لا يجب علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث أمرنا الله تعالى بالاهتمام بأنفسنا وبّين أنه لايضرنا ضلال الآخرين واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [المائدة:105].




كشف النقاب عن حقيقة هذه الشبهة


سنحاول بعون الله تعالى كشف النقاب عن حقيقة هذه الشبهة من جانبين:





أولاً : كشف النقاب عن حقيقة الشبهة من الآية نفسها :


لو تدبر أصحاب هذه الشبهة في الآية نفسها لما نطقوا بها ، اشترط الله تعالى لعدم إصابة الضرر بسبب ضلال الآخرين أن يكون الشخص مهتدياً حيث قال تعالى: { لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [المائدة:105]، ولا يصير الشخص مهتدياً إلاّ إذا أدى ما أوجبه الله عليه ، وممّا أوجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ، فالذي لا يقوم بهذا لا يكون مهتدياً لأن فوات الشرط يستلزم فوات المشروط ، وقد بيّن هذا بعض الصحابة والتابعين وكثير من المفسرين والعلماء القدامى والمتأخرين.

فعلى سبيل المثال فقد نقل الإمام ابن جرير الطبري عن حذيفة رضي الله عنه في تفسير هذه الآية أنه قال: « إذا أمرتم ونهيتم ».

كما نقل الإمام الطبري عن سعيد بن المسيب في تفسير الآية أنه قال: « إذا أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، لا يضرك من ضل إذا اهتديت ».

ويقول الإمام أبوبكر الجصاص في تفسيره الآية:
« ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي غيرنا ، فلا دلالة فيها إذاً على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ».

ويقول الإمام النووي: « وأما قول الله عز وجل: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } فمعناه: أنكم إذا فعلتم ماكُلِّفتم به فلا يضركم تقصير غيركم ، إذا كان كذلك ، فمِمّا كُلِّف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه ، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول . والله أعلم ».

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الصدد: « والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب ، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلال »[الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر].

إضافة إلى ذلك بيّن بعض العلماء أن قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ }
في بداية الآية نفسها يدل على وجوب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث أمر الله تعالى المؤمنين بأن يهتموا بأنفسهم ، ومن الاهتمام بالأنفس القيام بأداء الواجبات ، ومن الواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي هذا يقول عبدالله بن المبارك: « هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ } احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ، ويرغّبه في الخيرات ، وينزه عن القبائح والسيئات ».

ثانياً : تفنيد الشبهة بالنصوص الأخرى :


وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تبيّن أنه مما يجب على الصالحين تجاه أعمال الآخرين السيئة تذكيرهم ومنعهم عنها ، وإن لم يفعلوا هذا يوشك أن ينزل عليهم غضب الله فيدعونه فلا يستجيب لهم.
ومن تلك النصوص قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَاعَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [الأنعام:68-69].

بيّن الله تعالى أنه لا يجب على المتقين بسبب خوض من يخوض في آيات الله إلاّ شيء واحد ، وهو: تذكيرهم.

يقول القاضي البيضاوي: « وما يلزم المتقين من قبائح أعمالهم وأقوالهم الذين يجالسونهم شيء مما يُحاسَبون عليه ، ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى ويمنعوهم من الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها ».

وإذا كان تذكير هؤلاء الأشرار يجب على المتقين فكيف يتصور مهتدياً عند تركه هذا الواجب ، ولذا يقول الشيخ ثناء الله الأمر تسري: « ومن جملة اهتدائكم تذكيرهم لقوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [الأنعام : 69] [تفسير القرآن بكلام الرحمن].

ومن تلك النصوص أيضاً قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال:25].

يقول الحافظ الكلبي الغرناطي في تفسير الآية:
« أي لا تصيب الظالمين ، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر ، ولم ينه عن الظلم ، وإن كان لم يظلم ».

وسبيل الاتقاء من العذاب هو الإنكار على ظلم الظالمين كما قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: « أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعقاب » [تفسير بن كثير].

هذا وقد بين أبوبكر الصديق رضي الله عنه خطأ المستدلين بهذه الآية على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما كان قد سمع من أُنزل عليه هذه الآية فقد روى الإمام أبوداود عن قَيْسٍ قال: قال أبوبَكْرٍ بَعْدَأَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه: يا أَيُّهَا الناس إِنَّكُمْ تقرؤون هذه الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا على غَيْرِ موضعها {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } قال عن خَالِدٍ وَإِنَّا سَمِعْنَا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الناس إذا رأوا الظالم ، فلم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) [الألبانى: صحيح].

ولا يقف الأمر عند نزول العذاب بسبب ترك الناس الآخرين فيما هم فيه من المنكرات والمعاصي بل إن الله تعالى لا يستجيب دعاءهم إذا دعوه لكشف العذاب عنهم فقد روى الإمام الترمذي عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسل مقال: ( والذي نفسي بيده ؛ لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ؛ أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ، ثم لتدعنه ؛ فلا يستجاب لكم ) [الألبانى: حسن].

كل هذا يؤكد أن قول: علينا أن نهتم بأنفسنا لأنه لا يضرنا ضلال الآخرين ، يخالف نصوص الكتاب والسنة فلا يبقى فيه حجه بعد ذلك.

احتجاج أصحاب الشبهة بحديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه:

قد يحتج محتج فيقول: إن ما فسرت به الآية: { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [المائدة: 105]. لا يتفق مع ما جاء في تفسيرها في حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه من سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقد روى الإمام أبوداود عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة – رضي الله عنه – فقلت: يا أبا ثعلبة ! كيف تقول في هذه الآية: { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ } ؟
قال: أما والله ! لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ( بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، ورأيت أمرا لا بد لك منه ؛ فعليك نفسك ، ودع أمر العوام ؛ فإن وراءكم أيام الصبر ، فمن صبر فيهن ؛ كان كمن قبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله)
وزادني غيره قال: يارسول الله ! أجر خمسين منهم ؟ قال: ( أجر خمسين منكم ) [الألبانى: ضعيف].

الرد على الاحتجاج :

نرد بعون الله تعالى على احتجاج هؤلاء بحديث أبي ثعلبة رضي الله عنه من وجهين:

أولاً: تحّدث الرسول الكريم في هذا الحديث الشريف عن الأحوال الاستثنائية التي يؤجر العامل فيها أجر خمسين رجلاً من الصحابة ، وذلك لشدتها ، ومن المعلوم أن للظروف والأحوال الطارئة أحكامها ورخصها ، ولا تثبت بها معارضة ماثبت لعامة الأحوال من الأحكام ، وفي هذا الصدد يقول الإمام أبوبكر بن العربي بعد ذكر حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه: « وذلك لعدم الاستطاعة على معارضة الخلق ، والخوف على النفس أو المال من القيام بالحق وتلك رخصة من الله عز وجل يسرها علينا ، وفضله العظيم آتانا » [أحكام القرآن لإبن العربى].

ثانياً: هذه الرخصة التي نجدها في الحديث الشريف لا تدل على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في الظروف الاستثنائية ، وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر درجات ، فإذا تعذر للمسلم القيام به باليد واللسان فعليه أن يقوم به بالقلب ، وهذا لايسقط في حال من الأحوال ، وفي هذا يقول الإمام أبوبكر الجصاص: « وهذا لا دلالة فيه على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر ، لأن ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذّر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد وغلبته على العامة ، وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب كما قال عليه السلام: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده . فإن لم يستطع فبلسانه . فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذكر كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب للتقية ولتعذر تغييره. وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقية بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان ، قال تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } فهذه منزلة الأمربالمعروف والنهي عن المنكر.


فخلاصة الكلام أنه ليس في الآية: { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ } ولا في حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه ما يدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل يجب على كل مسلم أن يقوم به على قدر استطاعته.


الشبهة الثالثة : ترك الحسبة بسبب وقوعنا في الذنوب والتقصير والنقص :


يقول بعض الناس: « حيث لا نقوم بكل ما أُمِرنا به ولا نجتنب كل ما نُهينا عنه ، لذا يجب علينا أن نهتم بأنفسنا بدل أمر الآخرين بالمعروف ونهيهم عن المنكر ».


واحتج أصحاب هذا القول بالمنقول والمعقول.

أما المنقول فقالوا: ذم الله تعالى من أمرالناس بالمعروف ونسي نفسه ، وذلك في قوله تعالى: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [البقرة: 44].

وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [ الصف: 2،3].

كما بيّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوء عاقبة هؤلاء فعن أسامة رضي الله عنه قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يجاء برجل فيطرح في النار ، فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار فيقولون : أي فلان ، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله ، وأنهى عن المنكر وأفعله ) [صحيح البخارى].

وأما المعقول فقالوا: فاقد الشيء لا يعطيه ، من يستجيب لمن يأمر بمعروف و لا يأتيه ، وينهى عن منكر ويأتيه؟




الرد على هذه الشبهة:


سنتحدث بعون الله تعالى عن فساد هذه الشبهة وضعف ما احتجوا به تحت العناوين التالية :

1. سبب الذم هو : ترك المعروف وليس الأمر بالمعروف .

2. ترك أحد الواجبين ليس مبرِّراً لترك الواجب الثاني .

3. الأخذ بهذا القول يؤدي إلى تعطيل الاحتساب .

4. عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم .





أولاً : سبب الذم هو : ترك المعروف وليس الأمر بالمعروف :



هناك واجبان:

1. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2. فعل المعروف وترك المنكر.

وإن النصوص التي احتج بها أصحاب هذه الشبهة ليس فيها ذم بسبب القيام بالواجب الأول بل فيها ذم بسبب ترك القيام بالواجب الثاني ، لم يُنكر فيها بسبب أمر الناس بالبر ، ونهيهم عن المنكر ، والتلفظ بالقول الطيب ، بل إنما أُنكر فيها بسبب نسيان الأنفس ، وترك المعروف وارتكاب المنكر ، وعدم الفعل وفق القول الطيب.

فعلى سبيل المثال هناك طالب نجح في مادة (التفسير) ورسب في مادة (الحديث) هل يُعقل توجيه اللوم بسبب النجاح في مادة التفسير؟ إنما يُلام بسبب رسوبه في مادة الحديث.

هذا ، وقد صرّح كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن التوبيخ في تلك النصوص بسبب ترك المعروف وليس بسبب الأمر بالمعروف ، فعلى سبيل المثال يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى:{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ …. } الآية: « اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر » [تفسير القرطبى].

ويقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: « وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له ، بل على تركهم له ».





ثانياً : ترك أحد الواجبين ليس مبرراً لترك الواجب الثاني :



إن الواجبين اللذين ذكرناهما ليس أحدهما شرطاً للثاني فيكون ترك أحدهما مبرراً لترك الثاني ، وهذا أمر واضح ندركه في كثير من الأمور، هل نقول لمن يحافظ على الصلوات ولا يصوم أن تركه الصوم مبرر لتركه الصلوات ؟ وقد بيّن كثير من العلماء هذا الأمر ، فعلى سبيل المثال يقول الإمام أبوبكر الجصاص: « وجب أن لا يختلف في لزومه البر والفاجر ، لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضاً غيرها ، ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات ، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه » [أحكام القرآن].

وبيّنه الإمام النووي بأسلوب آخر فقال: « قال العلماء: ولا يُشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما نهى عنه ، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به ، والنهي وإن كان متلبِّساً بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها ، ويأمر غيره وينهاه فإذا أخلَّ بأحدهما كيف يُباح له الإخلال بالآخرة ».




ثالثاً : الأخذ بهذا القول يؤدي إلى تعطيل الاحتساب :


لو اشترطنا للآمر والناهي أن يكون فاعلاً لكل ما يأمر به ومجتنباً كل ما ينهى عنه لنتجد من يقوم بالاحتساب ، وبهذا يتعطّل هذا الواجب العظيم ، وقد نّبه علماء الأمة – جزاهم الله تعالى خيراً – إلى هذا الأمر ، فقد قال سعيد بن جبير: « لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر » [تفسير القرطبى].

وقال الإمام مالك تعليقاً على قوله: « وصدق ، ومن ذا الذي ليس فيه شيء ؟ » [تفسير القرطبى].

وذكر القرطبي أن الحسن قال لمطرف بن عبدالله: « عظ أصحابك ، فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل ، قال: يرحمك الله ، وأيُّنا يفعل ما يقول ؟ يّود الشيطان أنه قد ظفر بهذا ، فلم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر » [تفسير القرطبى].

وبيّن هذا الإمام الطبري حيث يقول: « وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة ، فإن أراد أنه الأولى فجيد ، وإلاّ فيستلزم سدّ باب الأمربالمعروف إذا لم يكن هناك غيره » [فتح البارى].






رابعاً : عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم :



لاشك أن دعوة الكامل أشدّ وقعاً في النفوس وأكثر استجابة من دعوة غير الملتزم لكن القول بأن دعوة غير الكامل أو احتسابه عديم الجدوى دائماً غير صحيح.









كم من أنبياء الله الكاملين الملتزمين لم تؤثر دعوتهم في أقرب أقاربهم لم يستجب لنداء رسول الله نوح عليه السلام ابنه ، كما لم يستفد من دعوة خليل الله إبراهيم عليه السلام أبوه ، ولم تقبل قول نبي الله لوط عليه السلام زوجته ، كما لم يحوِّل نصح أكمل خلق الله تعالى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووعظه عمِّه أبا طالب إلى الإسلام.

وكم من أنبياء الله الكاملين دعوا أقوامهم فما آمن معهم إلا قليل ، بل منهم من لم يؤمن به أحد.

وعلى العكس من هذا كم من أصحاب الدعوات الفاسدة – المخالفين لأقوالهم بأفعالهم – نرى لهم أتباعاً كثيرين وكم من دعاة حرمة الإنسان وحريته يجدون أنصاراً كثيرين مع أنهم من أشد الناس انتهاكاً لحرمته وحريته وكم من حماة لحقوق العمال والشعوب – على حسب زعمهم – ولهم أتباع كثيرون رغم كونهم من أكثر الناس هضماً لحقوقهم.





فخلاصة القول ليس لأحد أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أن احتسابه لا يفيد بسبب تقصيره فلربما يفيد المقصرّ حيث لايفيد فيه من هو أحسن منه حالاً.



تنبيه:

لا يُفهم بما ذُكر بأننا لا نرى بأساً في ترك المعروف وفعل المنكر للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، بل نؤكد أنه يجب عليه فعل المعروف وترك المنكر ، و أنه يعرض نفسه لغضب الله تعالى عند التساهل في هذا ، ونقرر أيضاً بأنه ينبغي أن يكون أول فاعل لما يأمر به ، وأول تارك لما ينهى عنه كما كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

غاية ما في الأمر أن فعل المعروف وترك المنكر ليس شرطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يُقال لمن أمر بالمعروف ولم يفعله أو نهى عن المنكر وفعله: لا تأمر بالمعروف ولا تنه عن المنكر ، بل نقول له: استمر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتق الله تعالى في نفسك فمرها بالمعروف وانهها عن المنكر.


والله تعالى أعلم بالصواب.


الشبهة الرابعة : ترك الاحتساب لاعتقاد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اختصاص العلماء فقط :


بعض الناس يعتقد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو من اختصاص العلماء فقط وأصحاب الولايات: كأهل الحسبة ، وليس لعموم الناس والرد على هذه الشبهة




والرد على هذه الشبهة



أقول وبالله التوفيق إن أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كحديث: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده . فإن لم يستطع فبلسانه . فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].


لم تخصص أحداً ولم تستثني أحداً من الناس ، بل أوجبت ذلك عليهم كل حسب طاقته وعلمه ؛ ولذا قال الإمام النووي رحمه الله: « قال العلماء ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأصحاب الولايات ، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين قال إمام الحرمين والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول ، والعصر الذي يليه ، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر ، مع تقرير المسلمين إياهم ، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من غير ولاية ، والله أعلم ثم أنه إنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء ، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها ، وان كان من دقائق الأفعال والأقوال ، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء »


الشبهة الخامسة : ترك الاحتساب خشية الوقوع في الفتنة :


يقول بعض الناس: لا نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأننا نخشى الوقوع في الفتنة بسبب ذلك.







كشف حقيقة هذه الشبهة:


سنحاول بتوفيق الله تعالى بيان حقيقة هذه الشبهة تحت العناوين التالية:

1. ترك الاحتساب هو الذي يعرض العبد للفتنة.

2. مشابهة هذا القول بتعليل المنافق الجد بن قيس للتخلف عن الغزوة.

3. تعارض هذا القور مع وصية النبي.

4. منافاة هذا القول لسير الأنبياء والصالحين.









أولاً : ترك الاحتساب هو الذي يعرض العبد للفتنة :




لنا أن نسأل أصحاب هذا القول: هل سلمتم من الفتنة بترككم الاحتساب أم أنكم وقعتم فيها ؟

تؤكد نصوص الكتاب والسنة أن ترك الاحتساب يعرض العبد للفتنة ، ومن تلك النصوص قوله تعالى: { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال: 25].

يقول عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: « أمر الله عز وجل المؤمنين: أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم »[اللباب فى علوم الكتاب].

ومنها ما رواه الإمام الطبراني عن العرس بن عميرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ( إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ، ولا تغيره ، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة ).

ومنها ما روى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: سمعت رسول الله يقول: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم ، فقد تُودَّع منهم"[الألبانى: ضعيف].

يقول القاضي عياض في شرح الحديث: « أصله من التوديع ، وهوالترك ، وحاصله أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الخذلان وغضب الرحمن » [فيض القدير].

ولا يمكن الوقاية من هذه الفتنة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول الشيخ جلال الدين المحلي في تفسير الآية: { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً … } الآية. « واتقاؤها بإنكار موجبها من المنكر » [تفسير الجلالين].







ثانياً : مشابهة هذا القول بتعليل المنافق الجد بن قيس للتخلف عن الغزوة :


مما يؤكد شناعة هذا التعليل لترك الاحتساب أنه عين التعليل الذي علل به الجد بن قيس عند تخلفه عن غزوة تبوك ، فكشف العليم الخبير حقيقة تعليله وذمه في آيات تتلى إلى الأبد.

فقد ذكر الإمام الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ذات يوم وهو في جهازه ، للجد بن قيس أخي بني سلمه: ( يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر قال جد أو تأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنى رأيت بنات بني الأصفر أن أفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنه قد أذنت لك ) [الألبانى: حسن].

ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } [التوبة:49].

ثم يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: « أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به ، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم » [تفسير الطبرى].

وهكذا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب السلامة من فتنة لم تقع بعد ، قد وقع في فتنة كبرى ، إلا وهي ترك ما أوجبه الله تعالى عليه من الاحتساب.








ثالثاً : تعارض هذا القول مع وصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم :




يتنافي هذا القول مع ما أوصى به النبي الكريم أصحابه من قول الحق ، وإن لا يخافوا في الله لومة لائم ، وأن لا يمنعهم خوف على النفس أو الرزق من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن تلك الأحاديث – على سبيل المثال – ما روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن ، يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أو يقول بحق أو يذكر بعظيم ) [الألبانى: صحيح].

فأين أصحاب هذه الشبهة من هذا الحديث الشريف ومن الأحاديث الأخرى مثلها ؟.









رابعاً : منافاة هذا القول لسير الأنبياء والصالحين :




أين أصحاب هذه الشبهة من سير الأنبياء والمرسلين والصالحين الذين عُذِّبوا ، وأُخرِجوامن ديارهم ، وقُوتلوا ، وقُتِلوا بسبب قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟

أين هم من رجال هذه الأمة الذين تحققت فيهم – بفضل الله تعالى – بشرى رسول صلى الله عليه وسلم: ( سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) [الألبانى: صحيح].







تنبيه:

لا يُفهم مما كتبنا أنه لا يُنظر إلى ما يترتب على القيام بالاحتساب ولا يُعبَأ به ، بل إن هذا سيُحسب له حسابه.
فإن كانت المفسدة المترتبة عليه أعظم من المصلحة المتوقعة لا يقوم المرء بالاحتساب آنذاك ، وإن كانت المصلحة المرجوة أعظم من المفسدة يجب عليه أن يقوم بالاحتساب.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة ، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به ، وإن كانت قد تُرِك واجب وفُعِل محرم.

لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد ليس بهوى الناس بل – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – هو بميزان الشريعة.

ولا يعني كلامنا أيضاً أن نفرط بأنفسنا في الاحتساب ، وأن نلقي بأيدينا إلى التهلكة ، إن الذي نقصده أن لا يكون الخوف على النفس أو الرزق مانعاً من الاحتساب ، ولكن أخذ الحيطة والحذر أمر مطلوب مثل ما هو الحال في الجهاد بالسيف.

وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا: ولا نترك الدعوة إلى الخير ولا الجهاد دونه خوفاً على أنفسنا حرصاً على الحياة الدنيا ، ولا نفرِّط بأنفسنا في أثناء دعوتنا وجهادنا فيما لا تتوقف الدعوة و لا حمايتها عليه. وقد يكون أكثر مايصيب الداعي إلى الخير من الأذى ناشئاً عن طريقة الدعوة وكيفية سوقها إلى المدعو ، لا سيما إذا كان مسلماً ، وكانت الدعوة مؤيدة بالكتاب والسنة.

والله أعلم بالصواب


الشبهة السادسة : ترك الاحتساب بسبب عدم استجابة الناس :


يقول بعض الناس: ينبغي أن لا نضيع جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون.






بيان حقيقة هذه الشبهة:


سنبيّن بعون الله تعالى حقيقة هذه الشبهة بإلفات عناية القاريء إلى النقاط التالية :


1. لا يُشترط لوجوب الاحتساب قبول الناس.

2. الحكم على الناس بعدم الاستجابة من الأمور الغيبية.

3. وجوب التأسي بالرسول الكريم في هذا الأمر.






أولاً : لا يُشترط لوجوب الاحتساب قبول الناس :


لم يشترط الله تعالى ولا رسوله لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استجابة الناس ، بل أوجب الله تعالى على نبيه الكريم وعلى أمته تبليغ الناس أوامره ونواهيه سواء استجابوا أم لم يستجيبوا ، وقد وردت نصوص كثيرة تبيّن هذا ، منها على سبيل المثال:

قوله تعالى: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ } [النور:54].

ومنها قوله تعالى: { فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:20].

ومنها قوله تعالى: { وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } [المائدة:92].

ومنها قوله تعالى: { فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النحل:82].

ومنها قوله تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [التغابن:12].

ومنها قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35].

ومنها قوله تعالى: { فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: 57].

ومنها قوله تعالى: { وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد:40].

ومنها قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [المائدة: 67].

ومنها قوله تعالى: { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 – 22].


فمهمة الرسول الكريم وهكذا مهمة أمته أن يبلغوا الناس أوامر الله تعالى ونواهيه ويذكروهم سواء استجابوا أم لم يستجيبوا ولا عذر لهم عند الله لترك هذه المهمة الجليلة بسبب إعراض الناس عنهم ، وفي هذا الصدد يقول الإمام النووي: « قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه ، بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين ». وقد قدَّمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول ، وكما قال تعالى: { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ }. [شرح النووى على صحيح مسلم].

ومما يؤكد هذا ما قصّه الله تعالى عن أصحاب السبت حيث استمر الصالحون في نهي العصاة عن التحايل للصيد يوم السبت ، ولم يتركوا الاحتساب بسبب عدم استجابة العصاة ، بل صرّحوا أنهم يقصدون من وراء احتسابهم أمرين:

- أن يُقبل عذرهم عند الله تعالى.

- لعل العصاة يستجيبون فيتركون التحايل ويتوبون إلى الله تعالى.


يقول سبحانه وتعالى عن قصتهم: { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [الأعراف: 164].

ويقول الإمام ابن العربي في تفسير الآية: « لما فعلوا هذا نهاهم كبراؤهم ، ووعظهم أحبارهم فلم يقبلوا منهم فاستمروا في نهيهم لهم ، ولم يمنعهم من التمادي على الوعظ والنهي عدم قبولهم لأنه فرض قُبل أو لم يُقْبل ، حتى قال لهم بعضهم: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } يعني في الدنيا { أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } قال لهم الناهون: { مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ } أي نقوم بفرضنا ليثبت عذرنا عند ربنا » [أحكام القرآن].






ثانياً : الحكم على الناس بعدم الاستجابة من الأمور الغيبية :


إن الحكم على الناس بأنهم لا يستفيدون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمورالغيبية التي لا يعرفها إلا العليم الخبير، إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع رب العباد ، يقلّبها متى شاء وكيف ما شاء ، وما أسهل على الله تعالى تقليبها.

فقد روى الإمام مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: إنه سمع رسول الله يقول: ( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن ، كقلب واحد ، يصرفه حيث شاء ) [الألبانى: صحيح].

وقد شبّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهولة تصريف قلوب العباد بتقليب ريشة بأرض فلاة.

فقد روى الإمام ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( مثل القلب مثل الريشة ، تقلّبها الرياح بفلاة ) [الألبانى: صحيح].

وكم من أشخاص يراهم الناس من أتقى الناس فيتحولّون إلى أفسق الناس ، وكم من أفسق الناس يأتيهم الموت وهم من أتقى الناس ، هذه حقيقة نقرؤها في سير الناس ، ونشاهدها في حياتنا اليومية ، وبيّنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم الناطق بالوحي بقوله: ( إن العبد ليعمل ، فيما يرى الناس ، عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار ، ويعمل ، فيما يرى الناس ، عمل أهل النار وهو من أهل الجنة ، وإنما الأعمال بخواتيمها ) [صحيح البخارى].

فإذا كان الشخص يجهل خواتيم الآخرين فكيف يسوغ له أن يفترض أنهم لا يستجيبون ، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استناداً إلى هذا الافتراض؟






ثالثاً : وجوب التأسي بالرسول الكريم في هذا الأمر وفي كل أمر :



جعل الله تعالى في رسوله الكريم أسوة لنا حيث يقول عز من قائل: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [الأحزاب:21].

فلنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: هل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نظراً لعدم استجابة الناس ؟
كلا ، بل استمر صلوات الله وسلامه عليه في ذلك في أشد الأحوال وأصعبها راجياً من الله هداية المخاطبين ، بل هداية أجيالهم القادمة إن لم يستجب الجيل الموجود.

وسيرته الطاهرة تدل على هذا.

فقد روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله: يارسول الله ، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟
فقال: ( لقد لقيت من قومك . وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة . إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال . فلم يجبني إلى ما أردت . فانطلقت وأنا مهموم على وجهي . فلم أستفق إلا بقرن الثعالب . فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني . فنظرت فإذا فيها جبريل . فناداني . فقال : إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك . وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم . قال : فناداني ملك الجبال وسلم علي . ثم قال : يا محمد ! إن الله قد سمع قول قومك لك . وأنا ملك الجبال . وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك . فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ) . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئا ) [خرجه الإمام مسلم في صحيحه].

هل يُتوقع بعد ذلك ممن ينتسب إلى هذا النبي الكريم - الحريص على هداية الناس - أن يقول: ينبغي أن لا نضيع جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون ؟.


الشبهة السادسة : ترك الاحتساب بسبب عدم استجابة الناس :




:: احتجاج أصحاب الشبهة ببعض الآيات ::



يحتجّ أصحاب هذه الشبهة ببعض النصوص التي جاء فيها - على حسب زعمهم - الأمر بالتذكير مشروطاً بالنفع ، أو مخصوصاً لمن خاف الوعيد ، أو خشي الرحمن بالغيب ، واتبع الذكر ، ومن النصوص:


قوله تعالى: { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى } [الأعلى: 9].


وقوله تعالى: { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [فاطر: 18].


وقوله تعالى: { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } [يس: 11].


وقوله تعالى: { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ق: 45].


قالوا: نجد في هذه الآيات بأن الله تعالى اشترط لأمره بالتذكير { إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى } كما أرشد نبيه الكريم أن يقتصر في إنذاره عل { مَن يَخَافُ وَعِيدِ }{ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبٍِ }{ مَنِ اتَّبَعَالذِّكْرَï´¾
لذا لا داعي لبذل الجهود في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر وهم لا يستجيبون.






كشف النقاب عن حقيقة الاحتجاج:


سنبيّن بتوفيق الله تعالى حقيقة احتجاجهم بالآيات من وجهين:


1. النظر في سيرة من أنزل عليه تلك الآيات.


2. المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين.






أولاً : النظر في سيرة من أنزل عليه تلك الآيات :


أنزلت تلك الآيات على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو الذي كان يتلوها على المؤمنين ، ويعلّمهم إياها ، وإليه أسندت مهمة بيانها ، وكان صلى الله عليه وسلم صورة حية لما نزلت عليه الآيات .

لنا أن نسأل هؤلاء هل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب إعراض الناس ؟
كلا ، فقد استمر في التذكير والإنذار رغم عناد الكفرة وتمردهم ، والفهم الصحيح للآيات هو فهمه وكل استنباط أو استدلال يعارض فهمه وعمله باطل ومردود على صاحبه.






ثانياً : المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين :


بيّن المفسرون المراد بتلك الآيات فأجادوا وأفادوا جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء وسنذكر بعض ما ذكروا - بعون الله تعالى - في هذا المقام.

أما قوله تعالى { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى } فنترك مجال تفسيره للإمام الرازي حيث يقول مثيراً بعض الأسئلة حوله:

السؤال: أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله تعالى: { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى } ؟.

الجواب: أن المعلق بـ (أن) على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه هذه الآيات:

منها قوله تعالى: { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } [النور: 33].


ومنها قوله تعالى: { وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } [البقرة: 152].


ومنها قوله تعالى: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ }[النساء: 101] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف.


ومنها قوله: { وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ } [البقرة: 283] والرهن جائز معالكتابة.


ومنها قوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } [البقرة:230] والمراجعة جائزة بدونهذا الظن.



ويتابع الإمام الرازي كلامه ويقول: إذا عرفت هذا ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد:

أحدهما: أن من باشر فعلاً لغرض فلا شك أن الصورة التي عُلم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي عُلم فيها عدم ذلك الإفضاء ، فلذلك قال: { إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى }.

ثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ونبّه على الأخرى كقوله: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ } والتقدير { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى } أو لم تنفع.

ثالثها: أن المراد به البعث على انتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بيّن له الحق: (قد أوضحت لك إن كنت تعقل) فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع.

رابعها: أن هذا يجري مجرى تنبه الرسول أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل: ادع فلانا إن أجابك - ما أراه يجيبك.

خامسها: أنه عليه السلام دعا إلى الله كثيراً ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يحترق حسرة عل ذلك ، فقل له: { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ق: 45]. إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيّده بهذا الشرط [التفسير الكبير للرازى].

وأما قوله تعالى: { إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ } [فاطر: 18].

فبين المفسرون رحمهم الله تعالى بأن المنتفعين بالإنذار هم أولئك ، وليس المعنى: بأن غيرهم لا يُذَكر ولا يُنذر ، يقول أبوالقاسم الغرناطي: « المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم ، وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار » [التسهيل لعلوم التنزيل].



وأما قوله تعالى: { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ } [يس: 11].

يقول أبوالقاسم الغرناطي في تفسيره: « معناه كقوله: { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ } [يس: 11] وقد ذكرناه في فاطر » [التسهيل لعلوم التنزيل].



وأماقوله تعالى: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ق: 45].

فهو- كما يقول أبو القاسم الغرناطي - كقوله: { إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم } [فاطر: 18] لأنه لا ينفع التذكير إلا من يخاف.






فخلاصة القول أن الاستدلال بتلك الآيات على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب عدم استجابة الناس غير صحيح.


الشبهة السابعة : ترك الاحتساب لوجود الخلاف في المسألة ولمقولة : لا إنكار في مسائل الخلاف :


وهذا خطأ والصحيح لا إنكار في مسائل الاجتهاد وليس في مسائل الخلاف.

كثيرًا ما نسمع أو نقرأ عند الاختلاف في المسائل الشرعية قول بعضهم: « لا إنكار في مسائل الخلاف » ؛ يريد بذلك أن كل مسألة وُجد فيها خلاف بين العلماء فإنه لا يحق لأحد أن ينكر على من خالفه فيها أويحمله على رأيه.




وقد بين العلماء المحققون أن هذه المقولة: ( لا إنكار في مسائل الخلاف) غير سليمة ، وأن مسائل الخلاف تنقسم قسمين:


1- المسائل الخلافية التي ثبت فيها نص أو نصوص من الكتاب والسنة تدل على صحة أحد الأقوال ، فالواجب حينئذٍ اتباع النص والإنكار على المخالف ، مع عذر من أخطأ فيها من المجتهدين.

2- المسائل الخلافية التي لم يثبت فيها نص ، فهذه تسمى: ( المسائل الاجتهادية ) ؛ لأن كل واحد من العلماء المختلفين قد عمل أوأفتى بما أداه إليه اجتهاده ، وهذه المسائل لا إنكار فيها ، ولا ينبغي لواحد من المختلفين أن يحمل الآخر على قوله ؛ لأن كل واحد منهم لم يخالف نصًا ، بل خالف اجتهاد مجتهد.




أقوال العلماء المحققين:


1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : « وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل ، أمّا الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً ، وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء.

وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار.

أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.

وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد (عموما بلا قيد) ، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك فيها الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها » [بيان الدليل على بطلان التحليل].





2- ابن القيم - رحمه الله - : ( وقد قال ابن القيم رحمه الله قريباً من قول شيخ الإسلام ابن تيمية ) وليس في قول العالم: ( إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ، ولا يسوغ فيها الاجتهاد ) طَعْنٌ على من خالفها ، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب ، والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير ، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل ، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول ، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينـزل ، وأن ربا الفضل حرام ، وأن المتعة حرام ، وأن النبيذ المسكر حرام ، وأن المسلم لا يُقتل بكافر ، وأن المسح على الخفين جائزحضراً وسفرا ، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق ، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة ،... ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم مَنْ حكم بخلاف كثيرمن هذه المسائل ، من غير طعن منهم على من قال بها.

وعلى كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهره [إعلام الموقعين].





3- وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - : « فإن أراد القائل مسائل الخلاف فهذا باطل يخالف إجماع الأمة ، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان ولو كان أعلم الناس وأتقاهم ، وإذا كان الله بعث محمداً بالهدى ودين الحق ، وأمرنا باتباعه ، وترك ما خالفه ، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه ، وإن أريد بمسائل الاجتهاد: مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب فهذا كلام صحيح ، ولا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفاً لمذهبه أو لعادة الناس ، فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم لا يجوز أن ينكر إلا بعلم وهذا كله داخل في قوله { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [الإسراء:36] » [الدرر السنية].





4- وقال الشوكاني - رحمه الله - : « هذه المقالة - أي لا إنكار في مسائل الخلاف - قد صارت أعظم ذريعة إلى سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما بالمثابة التي عرفناك ، والمنـزلة التي بيّناها لك ، وقد وجب بإيجاب الله عز وجل ، وبإيجاب رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة ، الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع ، والنهي عما هو منكر من منكراته: ومعيار ذلك الكتاب والسنة ، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفاً ، وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكراً.

وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك ، فقوله منكر يجب إنكاره عليه أول اً، ثم على العامل به ثانياً.

وهذه الشريعة الشريفة التي أُمِرْنا بالأمر بمعروفها ، والنهي عن منكرها ، هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة » [السيل الجرّار المتدفق على حدائق الأزهار].





5- وقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - : ردًا على من قال: ( المسائل الخلافية لاإنكار فيها ) ؟
لو أننا قلنا المسائل الخلافية لا ينكر فيها على الإطلاق ، ذهب الدين كله حين تتبع الرخص ، لأنك لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف بين الناس.


الشبهة الثانية : ترك الاحتساب لا لشبهة ولكن إرضاءاً لفئة :

سيكون الكلام على ذلك من خلال الأمور التاليه:


أحدها: أن فاعل ذلك قد التمس رضا الناس بسخط الله ، وصارالخلق في نفسه أجل من الله ؛ فنقول لمن هذا شأنه محذراً لنفسي وإياه بحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القائل فيه: ( من التمس رضا الله بسخط الناس ؛ كفاه الله مؤنة الناس ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله ؛ وكله الله إلى الناس ، والسلام عليك ) [الألبانى: صحيح لغيره].

وفي رواية أخرى أَنّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( من أرضى الله بسخط الناس ، كفاه الله الناس ، و من أسخط الله برضى الناس ، وكله الله إلى الناس ) [الألبانى: صحيح].

عَنِ بن عَبَّاسٍ قال: قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم: (من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه ومن أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينه )[الألبانى: ضعيف -فيه- يحيى بن سليمان الحفري فيه مقال][الهيثمى: رجاله رجال الصحيح غير يحيى بن سليمان الحفري وقد وثقه الذهبي].

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: ( من التمس رضا الله بسخط الناس ، كفاه الله مؤنة الناس ، و من التمس رضا الناس بسخط الله ، وكله الله إلى الناس ) [الألبانى: صحيح].

ونحذر من يعمل ذلك بأنه قد يتعرض للعن كما لعن من سبق قال تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } [المائدة:78].

فقد ظهر أن هذا المداهن قد أفسد نفسه من حيث يظن أنه يصلحها.



الثاني: أن الذي يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يقوم بواجبه بسبب: حب الشهرة ، والجاه والمنزلة ، والرفعة ، والخوف عليها من الزوال لابد أن يفتح الله له عليه باباً منالذل والهوان من حيث طلب العز ; وقد قال بعض السلف: من ترك الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، مخافة المخلوقين ، نزعت منه الطاعة ؛ فلو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه ، فكما هان عليه أمرالله ، أهانه الله وأذله [فيض القدير] ، كما قال تعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [التوبة:67].

الثالث: أنها إذا نزلت العقوبات ، فالمداهن داخل فيها ، كما في قوله تعالى: { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال:25] ، وفي الطبراني عَنِ بن مَسْعُودٍ رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم: ( إنه من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض على لسان داود وعيسى بن مريم { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم ) [الهيثمى:رجاله رجال الصحيح]. قال خَلَ فٌتأْطُرُونَهُ تَقْهَرُونَهُ.

والنجاة عند نزول العقوبات ، هي لأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قال تعالى: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [الأعراف:165].



والحمد لله رب العالمين وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.


هذا وما كان من توفيقٍ فمن الله
وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء

وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويرمى به في جهنم
ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه



الحمد لله رب العالمين







 


رد مع اقتباس
قديم 18-07-23, 09:13 PM   #4


نبراس القلم غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2296
 تاريخ التسجيل :  Jul 2018
 أخر زيارة : 18-08-31 (06:26 AM)
 المشاركات : 74 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



جزاك الله كل خير ,,
وبارك الله فيك ولكـ ..
وجعله فى ميزان حسناتك .. آمين
لا حرمنا من جميل ما تقدمي لنا ،،


 


رد مع اقتباس
قديم 18-09-19, 05:44 PM   #5


رنيم الشوق غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 829
 تاريخ التسجيل :  Mar 2014
 أخر زيارة : 18-10-18 (05:09 PM)
 المشاركات : 21,328 [ + ]
 التقييم :  2873
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
خُلقتُ هكذا..هادئه
وحروفي تشابهني تنبض بالحياه ..
ولكن في سكينه ..
وسابقى هكذا
لوني المفضل : Deepskyblue
افتراضي رد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



جزاك الله كل الخير
في ميزا حسناتك إن شاء الله


 


رد مع اقتباس
إضافة رد
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وعاشروهن بالمعروف.. مريام موطن الطهر الاسلامي 4 15-08-07 11:58 PM
وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود النادر حبور التهاني و المواساه 8 15-01-31 05:07 PM
من أهم الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملاك الاحساس موطن الطهر الاسلامي 8 14-04-12 10:53 AM
فيديو| التطاول على الملك عبدالله بن عبدالعزيز في “الجزيرة” فارس المصري همس الاخبار و الاعلام 7 14-01-18 03:35 PM
قصص الشيخ عبدالله الغفيلي في رحلاته الدعوية šŋåҢđ صهريجُ الحكَاوي 10 13-12-02 01:00 PM


الساعة الآن 05:23 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. D3m-fny
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2018 DragonByte Technologies Ltd.

a.d - i.s.s.w

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009